عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 16
خريدة القصر وجريدة العصر
سيرة أهل بيته في السّراوة والرئاسة والفضل والكتابة ، ما حبّب إليه المثال الذي احتذوه في الحياة . وكان من سنة أهل بيته التبكير في تعليم أطفالهم وأخذهم بالسيرة العالية في العلم والأدب والسراوة ، وكان أهله على مذهب الإمام الشافعي ، وقد دلت سيرهم عامة وسيرته خاصة على أن أثر بيأتهم هذه في التعصب المذهبي كان ضعيفا في نفسه وفي أنفسهم جميعا ، لما أدركوا من سوء مغبّته من جهة ، ومن مجافاته لروح الإسلام وطبيعته من جهة أخرى . فلما دفعوه إلى التعلم صبيّا . شغلوه بسماع الحديث وهو يشرب قلب سامعه حب التوحيد والوحدة الإسلامية ويجنّب المرء مزالق العصبيات المذهبية . وقد سمع العماد وهو في السادسة من عمره أو دونها : سمع من أبي عبد الفراويّ النيسابوريّ ومن أبي القاسم ابن الحصين ، وأجازا له على ما سأذكره . وقد يلوح هذا شيئا غريبا في أيامنا ، ولكن سماع الصغار كان مألوفا في العصور القديمة ، فقد سمع الحافظ بن عساكر الدمشقيّ وابن الجوزيّ البغداديّ وهما في السادسة من عمرهما ، وسمع الحميدي من كبار تلامذة بن حزم وهو في الخامسة أو قد تخطّاها ، بل سمع أبو بكر بن شيرويه « 1 » مسند خراسان وهو ابن ثلاث سنين ونصف سنة ، وهكذا . وقد تعلّم العماد العربيّة في أصبهان على ابن الأخوة الشيبانيّ البغداديّ نزيل أصبهان . وقد علمنا أنه كان يجيد الكتابة بالفارسية إجادته لها بالعربية ، فلا جرم أنه اخذ بتعلّم الفارسيّة وآدابها بأصبهان ناشئا ، ومارسها من بعد في العراق حتى تسنّى له أن يكون من كتابها المجيدين . بيأته الثانية : وكانت بيأته الثانية العراق والشام ومصر ، بيد أنّ الأثر العلمي الكبير في ثقافته إنما كان الفضل فيه لبغداد وعلماء ( المدرسة النظامية ) فيها وغيرهم . وقد ورد عماد الدين بغداد
--> ( 1 ) روى خبره صديقي الدكتور صلاح الدين المنجد في مقدمته ل ( تاريخ مدينة دمشق ) للحافظ ابن عساكر ( ص 15 ) نقلا عن التحبير ( مخطوط ، ورقة 49 ب ) .